النص الكامل لتقرير فيتزجيرالد
المقدمة السياسية والدلائل الجرمية والتوصيات الإجرائية

ملخص تنفيذي:
في 14 شباط 2005، قتل انفجار في وسط بيروت 20 شخصاً، بينهم رئيس الوزراء السابق، رفيق الحريري. أرسل الأمين العام للأمم المتحدة بعثة تقصي حقائق إلى بيروت للتحقيق في الأسباب والظروف ونتائج الاغتيال. منذ أن وصلت إلى بيروت في 25 شباط، التقت البعثة عدداً كبيراً من المسؤولين اللبنانيين وممثلين عن مجموعات سياسية مختلفة، أجرت مراجعة للتحقيق اللبناني والإجراءات القانونية، وفحصت مسرح الجريمة والأدلة التي جمعتها الشرطة المحلية، وجمعت وحللت عينات من مسرح الجريمة، وأجرت مقابلات مع بعض الشهود في ما يتعلق بالجريمة.

لا يمكن تأكيد <<الأسباب>> المحددة لاغتيال السيد الحريري بشكل يعتمد عليه إلا بعد مثول مرتكبي هذه الجريمة أمام العدالة، غير أنه من الواضح أن الاغتيال حصل في سياق سياسي وأمني تميز باستقطاب حاد حول النفوذ السوري في لبنان وفشل الدولة اللبنانية في توفير حماية ملائمة لمواطنيها.

في ما يتعلق بالظروف، فإن وجهة نظر البعثة هي أن التفجير تسببت به عبوة زنتها ألف كيلوغرام من مادة ال<<تي أن تي>> وضعت على الأرجح فوق الأرض. تشير مراجعة التحقيقات إلى أنه كان هناك نقص جلي في التزام السلطات اللبنانية بالتحقيق الفعلي في الجريمة، وأن هذا التحقيق لم يجر وفقاً لمعايير دولية مقبولة. وجهة نظر البعثة أيضا هي أن التحقيق اللبناني يفتقد لثقة الشعب الضرورية لتكون نتائجه مقبولة.

يمكن لنتائج الاغتيال أن تكون بعيدة المدى. يبدو أنه فتح أبواب الاضطراب السياسي الذي كان يغلي خلال العام الماضي. الاتهامات والاتهامات المضادة وفيرة وقد فاقمت الاستقطاب السياسي الحاصل. البعض يتهم القيادة السورية وأجهزتها الأمنية باغتيال السيد الحريري لأنه أصبح عائقاً لا يمكن تجاوزه لنفوذها على لبنان. أما المؤيدون لسوريا فيقولون إنه اغتيل بأيدي <<أعداء سوريا>>، الذين يريدون خلق ضغط دولي على القيادة السورية بهدف تسريع زوال نفوذها في لبنان و/أو إطلاق سلسلة من ردود الفعل ستدفع في نهاية الأمر إلى <<تغيير النظام>> داخل سوريا نفسها. عبر سياسيون لبنانيون من خلفيات مختلفة، للبعثة، عن خشيتهم من أن لبنان يمكن أن يعلق وسط نزاع محتمل بين سوريا والمجتمع الدولي، مع نتائج مدمرة على السلم والامن اللبناني.

بعد جمع الحقائق المتوفرة، استنتجت البعثة أن الأجهزة الأمنية اللبنانية والاستخبارات العسكرية السورية تتحمل المسؤولية الأولية لنقص الأمن والحماية والقانون والنظام في لبنان. أظهرت الأجهزة الأمنية اللبنانية إهمالاً منظماً وجدياً في القيام بالواجبات التي تؤديها عادة الأجهزة الأمنية الوطنية المحترفة. وخلال قيامها بذلك، فشلت على نحو خطير في توفير مستوى مقبول من الأمن، وهي لذلك ساهمت في انتشار ثقافة الترهيب والإفلات من العقاب. تشارك الاستخبارات العسكرية السورية في هذه المسؤولية من خلال تورطها في إدارة الأجهزة الأمنية اللبنانية.

من النتائج التي توصلت إليها البعثة أيضا أن الحكومة السورية تتحمل المسؤولية الأولية في التوتر السياسي الذي سبق اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري. من الواضح أن حكومة سوريا مارست نفوذاً يتجاوز التعاون المعقول وعلاقات الجوار. لقد تدخلت في تفاصيل حكم لبنان بطريقة ثقيلة الوطأة وغير مرنة كانت السبب الأساسي في الاستقطاب السياسي الذي تلاها. من دون استباق نتائج التحقيق، من الواضح أن هذا المناخ وفر الخلفية لاغتيال السيد الحريري.

بات واضحاً للبعثة أن عملية التحقيق اللبنانية تعاني من عيوب خطيرة وليست لديها لا القدرة ولا الالتزام بالتوصل إلى استنتاجات مرضية وذات مصداقية. لنعثر على الحقيقة، سيكون من الضروري أن نولي التحقيق إلى بعثة دولية مستقلة، تتشكل من مختلف مجالات الاختصاص التي تشارك عادة في إجراء تحقيقات كبيرة مشابهة في الأنظمة الوطنية، مع التفويض التنفيذي الضروري لإجراء تحقيقات وعمليات تفتيش وغيرها من المهام ذات الصلة. إضافة إلى ذلك، من المشكوك به جدا أن بعثة دولية كهذه يمكن أن تقوم بمهامها بشكل مرض، وتتلقى التعاون الفعال الضروري من السلطات المحلية، في ظل بقاء القيادة الحالية للأجهزة الأمنية اللبنانية في مناصبها.

تستنتج اللجنة أن إعادة المصداقية والاستقامة إلى الأجهزة الأمنية اللبنانية أمر مهم وحيوي لأمن البلاد واستقرارها. سيكون من الضروري بذل جهد مدعوم لإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وإصلاحها وإعادة تدريبها للوصول إلى هذه النهاية، وسيتطلب ذلك بالتأكيد دعماً ومشاركة فعالة من قبل المجتمع الدولي.

أخيرا، وجهة نظر البعثة هي أن الدعم السياسي الدولي والإقليمي سيكون ضرورياً لحماية الوحدة الوطنية للبنان لحماية مكانته الهشة من ضغوط لا مبرر لها. سيوفر تحسين فرص السلام والأمن في المنطقة أرضية صلبة لإعادة الحالة الطبيعية إلى لبنان.
تقرير حول الوقائع التي عثرت عليها بعثة تقصي الحقائق إلى لبنان للتحقيق في أسباب وظروف وعواقب اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري.

25 شباط 24 آذار 2005
A- مقدمة
1- في 14 شباط 2005، قتل انفجار في وسط بيروت 20 شخصاً من بينهم رئيس الوزراء السابق رفيق بهاء الدين الحريري. كما قتل أيضا في الانفجار يحيى مصطفى العرب، محمد بن سعد الدين درويش، طلال نبيه ناصر، زياد محمد طراف، عمر أحمد المصري، محمد رياض حسين غلاييني، مازن عدنان الدهبي، يمامة كامل دامن، هيثم خالد عثمان، علاء حسن عصفور، زاهي حليم ابو رجيلي، جوزيف اميل عون، ريما محمد رائف بزي، رواد حسين حيدر، صبحي محمد القادر، عبدو توفيق بو فرح، عبد الحميد محمد غلاييني، محمود صالح الخلف، محمد صالح الحمد المحمد، بالإضافة إلى القتلى، هناك فرحان أحمد العيسى الذي لا يزال مفقوداً ويعتقد انه من بين الضحايا. وأصيب 220 شخصا بجروح.

2- في 15 شباط، أصدر رئيس مجلس الأمن بياناً بالنيابة عن المجلس يطلب فيه من الأمين العام <<متابعة الموضوع في لبنان عن كثب وإصدار تقرير عاجل حول ظروف وأسباب وعواقب هذا العمل الإرهابي>>. أعلن الأمين العام في 18 شباط انه سيرسل بعثة تقصي حقائق إلى بيروت من أجل جمع معلومات ضرورية من أجل تقديم تقرير إلى المجلس بطريقة دقيقة. بعد تبادل رسائل بين الأمين العام ورئيس لبنان، أرسلت بعثة يرئسها بيتر فيتزجيرالد، نائب مفوض في الشرطة الايرلندية، غاردا سيوشانا، وتتضمن محققين اثنين، ومستشارا سياسيا ومستشارا قانونيا، إلى لبنان لجمع الحقائق حول أسباب وظروف ونتائج الاغتيال. وتم إحضار خبراء إضافيين في المتفجرات والمقذوفات، الحمض النووي (دي ان أي)، وفي تفحص موقع الجريمة في 6 آذار بالاتفاق مع السلطات اللبنانية، لفحص موقع الجريمة والعينات التي جمعت منه.

3- منذ وصولهم إلى بيروت في 25 شباط، التقى أعضاء بعثة تقصي الحقائق (المعروفة بأنها <<البعثة>>) عدداً كبيراً من المسؤولين اللبنانيين وممثلي مجموعات سياسية مختلفة، وأجرت مراجعة شاملة للتحقيق اللبناني والإجراءات القانونية، وتفحصت مسرح الجريمة والأدلة التي جمعتها الشرطة اللبنانية، وجمعت وحللت عينات من مسرح الجريمة وأجرت مقابلات مع بعض الشهود على علاقة بالجريمة. وبما أن بعضا من الناس الذين أجرت البعثة مقابلات معهم طلبوا أن يبقوا مجهولين، فإن هذا التقرير لا يتضمن لائحة كاملة بالذين أجريت معهم المقابلات. أنهت البعثة التحقيق في لبنان في 16 آذار. يتضمن التقرير الحالي اكتشافاتها وتوصياتها.

B- النتائج
4- تقع نتائج البعثة في 3 فئات كما عرفها مجلس الأمن: الأسباب والظروف والعواقب.
أ- الأسباب
5- لا يمكن تأكيد <<الأسباب>> المحددة لاغتيال السيد الحريري قبل مثول مرتكبي هذه الجريمة أمام العدالة. لكن من الواضح أن الاغتيال حدث في سياق سياسي وأمني تميز باستقطاب حاد حول النفوذ السوري في لبنان وفشل الدولة اللبنانية في تأمين حماية ملائمة لمواطنيها.

السياق السياسي
6- خدم لبنان مراراً كساحة مواجهة لأطراف الصراع العربي الإسرائيلي، مع تأثير مدمر على وحدته الوطنية واستقلاله، حسبما أظهرت حربه الأهلية المؤسفة (19901975) والحملات العسكرية المتعددة على أرضه. حافظت سوريا على حضور عسكري لها في لبنان منذ أيار 1976 بموافقة الحكومة اللبنانية. كما أنها مارست نفوذاً سياسياً في الشؤون اللبنانية، ازداد باطراد منذ العام 1990 وتقونن في العام 1991 عبر معاهدة <<الأخوة والتعاون والتنسيق>>.

7- لم يتعرض الوجود السوري في لبنان بشكل عام الى التحدي، حتى سحبت إسرائيل قواتها من جنوب لبنان في العام 2000. بدأت الشخصيات اللبنانية تعلن معارضتها للنفوذ السوري المستمر ودعت إلى تطبيق ما تبقى من بنود اتفاق الطائف (للعام 1989) والذي كان سيقلص، إذا ما طبق، الوجود السوري في لبنان إلى حد الانسحاب الكامل. ورغم أن السيد الحريري تجنب بحذر هذا الجدل، فقد كانت علاقته مع الرئيس إميل لحود، الذي يوصف عامة انه المفضل لدى سوريا، متشنجة، حسبما أفاد للبعثة مسؤول أمني معروف ومقرب من سوريا. خاض الرجلان (لحود والحريري) صراعات متكررة خلال ولاية السيد الحريري (20042000) إلى حد تطلب <<تدخلاً خارجياً والتوسط على أساس يومي>>. أثر الخلاف بين السيد لحود والسيد الحريري على قدرة الثاني على إدارة الحكومة وتنفيذ سياساته، إلى حد الشلل في بعض الأحيان. فسرت مصاعب السيد الحريري مع السيد لحود على نطاق واسع بأنها عدم ثقة سوريا في الأول.

8- كان يجب أن تنتهي ولاية السيد لحود في العام 2004، بلا إمكانية للتجديد له بحسب الدستور. كان السيد الحريري يأمل بوضوح بأن انتهاء ولاية السيد لحود سيمكنه من استعادة التحكم في حكومته. لكن خلال العام 2004 اقترحت أصوات معينة في لبنان تعديل الدستور من أجل تمديد ولاية السيد لحود. أصبح هذا الاحتمال جزءاً من الجدال حول الوجود السوري في لبنان وغذاه. ونظراً لتوزيع المقاعد في المجلس النيابي، احتاج تعديل الدستور إلى دعم كتلة السيد الحريري، وهو دعم لم يكن مستعدا لتقديمه. أكثر من ذلك، علمنا من مصادر يمكن الاعتماد عليها أن السيد الحريري تمكن من الحصول على تعهد من القيادة السورية بعدم تمديد ولاية السيد لحود.

9- لكن القيادة السورية قررت لاحقا دعم تمديد الولاية الرئاسية، وإن ل3 سنوات عوضا عن 6 سنوات. كان الضغط من اجل التمديد كبيرا ومصمما وله نتائج بعيدة المدى. وكما قال مسؤول لبناني مقرب من القيادة السورية للبعثة، بعث القرار السوري برسالة واضحة إلى السيد الحريري بأنه كان عليه الرحيل: <<لم تكن هناك من طريقة لكي يعملا (لحود والحريري) مع بعضهما البعض>>. التقى السيد الحريري بالرئيس (السوري بشار) الأسد في دمشق في محاولة أخيرة لإقناعه بعدم دعم التمديد. تسلمت البعثة روايات حول هذا اللقاء من مصادر مختلفة في داخل لبنان وخارجه، وجميعها يدعي بأنها سمعت هذه الرواية من السيد الحريري نفسه بعد فترة قصيرة من عقد اللقاء. ليس لدى البعثة رواية للقاء من جانب السيد الأسد. امتنعت السلطات السورية عن الاستجابة لطلب البعثة بعقد لقاء معه. تعزز الشهادات التي تسلمتها البعثة بعضها بشكل حرفي تقريبا.

10- بالاستناد إلى هذه الشهادات، ذكّر السيد الحريري السيد الأسد بتعهده عدم السعي لتمديد ولاية السيد لحود، ورد السيد الأسد انه كان هناك تحول في السياسة وان القرار قد اتخذ. وأضاف انه يجب أن ينظر إلى السيد لحود كممثله الشخصي في لبنان وان <<معارضته تساوي معارضة الأسد نفسه>>. وأضاف عندها انه (السيد الأسد) <<يفضل أن يحطم لبنان فوق رأسي السيد الحريري و (الزعيم الدرزي وليد) جنبلاط على أن يرى كلمته في لبنان تنكسر>>. وحسب الشهادات، فإن السيد الأسد هدد عندها كلاً من السيد الحريري والسيد جنبلاط بأذى جسدي إذا عارضا التمديد للسيد لحود. دام اللقاء 10 دقائق وكانت المرة الأخيرة التي يلتقي فيها السيد الحريري مع السيد الأسد. بعد هذا اللقاء، أبلغ السيد الحريري مؤيديه انه لا خيار أمامهم سوى دعم التمديد للسيد لحود. تلقت البعثة أيضا روايات عن تهديدات أخرى للسيد الحريري من مسؤولين أمنيين في حال امتنع عن التصويت لصالح التمديد أو <<حتى إذا فكر في ترك البلد>>.

11- في الثاني من أيلول 2004، تبنى مجلس الأمن القرار 1559 الذي طالب، إلى جانب فقرات شرطية أخرى، <<بانسحاب جميع القوات الأجنبية المتبقية في لبنان، وأعلن دعمه لعملية انتخابية حرّة وعادلة في الانتخابات الرئاسية اللبنانية المقبلة على أن تجري وفقا للقوانين الدستورية اللبنانية من دون أي تدخل أو نفوذ أجنبي>>. ويعتقد، على نطاق واسع داخل لبنان وخارجه، أن السيد الحريري دعمً هذا القرار بشكل فاعل. وقد أبلغت مصادر عديدة في لبنان البعثة بأن القيادة السورية حمّلت السيد الحريري شخصيا مسؤولية تبني هذا القرار، وبأن هذا القرار أنهى أية ثقة كانت تقوم بين الجانبين. في الثالث من أيلول، وصل التمديد إلى البرلمان. صوّت السيد الحريري وكتلته النيابية لصالحه. ثلاثة نواب صوّتوا ضدّه، بينهم مروان حمادة وهو حليف مقرّب لكل من السيد الحريري والسيّد جنبلاط. مرّ التعديل، وتم تمديد ولاية السيّد لحود الرئاسية لثلاث سنوات. في التاسع من أيلول أعلن السيد الحريري استقالته.

12- بلغ التوتر السياسي بعداً جديداً مع تلك الاستقالة. التحق عدد آخر من الشخصيات السياسية بما أطلق عليه لاحقاً <<المعارضة>>، التي دعت بشكل أساسي إلى إعادة النظر في العلاقات السورية اللبنانية. فضل بعض زعماء المعارضة إعادة النظر بتلك العلاقات بما يتناسب مع قرار مجلس الأمن 1559، في حين آثر آخرون إعادة النظر فيها تحت مظلة اتفاق الطائف. ونظر إلى الانتخابات التشريعية المقبلة على أنها نقطة تحول وبات واضحاً بالنسبة للجميع أن الأفرقاء يستعدون لكشف نهائي للأوراق. حتى التمديد للرئيس لحود، كانت المعارضة مؤلفة بشكل أساسي من سياسيين ومجموعات مسيحية. وأتى قرار كتلة السيد جنبلاط بالانضمام إلى تلك القوى ليشكل تطوراً أساسياً، إذ توسع التحالف المعارض إلى ما وراء الحدود المذهبية المقسمة، خاصة في ضوء تحالف السيد جنبلاط التقليدي مع سوريا. أضافت استقالة السيد الحريري مزيداً من القوة إلى المعارضة عبر ضمّ الطائفة السنية العريضة والنافذة.

13- في الثاني من تشرين الأول، نجا النائب مروان حمادة بأعجوبة من الموت عندما انفجرت عبوة بالقرب من سيارته. قتل مرافقه في الانفجار. وقد أثارت محاولة اغتيال السيد حمادة الصدمة في كل لبنان وأضيفت إلى الاستقطاب المتنامي. لم يتم تحديد هوية مرتكبي محاولة الاغتيال، وساد شعور عام بأن ذلك لن يتم. سيطر مناخ ضاغط على الساحة اللبنانية حيث <<الجميع كان مهدّدا>>، حسبما قال مسؤولو أمن عديدون للبعثة. قالت شريحة كبيرة من الناس داخل لبنان وخارجه للبعثة إن السيد الحريري والسيد جنبلاط خشيا على حياتهما ورأيا محاولة اغتيال السيد حمادة جزءاً من صراع القوى الدائر مع القيادة السورية.

14- في ظل التوتر المتزايد، استمر توثيق التحالف المعارض وكذلك التحضيرات للانتخابات التشريعية المقبلة. جرت اتصالات ومفاوضات بين السيّد جنبلاط والسيّد الحريري وبين الزعيم الماروني المنفي السيد ميشال عون. ومع نهاية كانون الثاني 2005، كانت هناك كتلة قوى هائلة تبرز في لبنان، تضم، للمرّة الأولى، ممثلين عن كل الجماعات السياسية والدينية المختلفة تقريباً، باستثناء المجموعتين الشيعيتين أمل وحزب الله. كانت كتلة القوة تلك مستقلة عن النفوذ السوري، إن لم تكن معادية له، وبدت واثقة من الفوز بغالبية واضحة في الانتخابات المقبلة. وتمتعت أيضاً بدعم لاعبين أساسيين في المجتمع الدولي وبدت واثقة من قدرتها على دفع سوريا إلى تحقيق التزاماتها بحسب اتفاق الطائف و/ أو قرار مجلس الأمن 1559. وسط كتلة القوى تلك، برز رجل واحد على أنه المهندس: رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري. في 14 شباط تم اغتياله.

15- من الواضح أن اغتيال السيّد الحريري جرى على خلفية صراع القوى مع سوريا، بغض النظر عمن قاد الاغتيال وبأي هدف. ومع ذلك، من المهم التذكير بأنه فقط بمقدور تحقيق مناسب لا تحليلات سياسية أن يؤدي إلى تحديد هوية من أمر وخطط ونفّذ هذه الجريمة النكراء. وسيشكل القفز إلى استنتاجات بشأن منفذي الاغتيال من دون تحقيق مناسب وأدلة مقنعة ومحاكمة صحيحة انتهاكاً للقواعد الأساسية للعدالة.

الخلفية الأمنية
16- كان ثمة إجماع على وصف السيد الحريري، ل<<البعثة>>، بأنه <<الشخصية الأكثر أهمية في الحياة العامة اللبنانية>>. إن اغتياله، بالتالي، يثير تساؤلات حول مستوى الحماية الذي كان مؤمناً له من قبل جهاز الأمن اللبناني. يتألف نظام الأمن اللبناني من أجهزة عديدة. تحتل الاستخبارات العسكرية موقعا رئيسيا في هذا التشكيل؛ وهي تغطي مجالات الأمن القومي، ومكافحة التجسس، ومكافحة الإرهاب، وقوة ضاربة. كذلك يشمل قسما لاعتراض الاتصالات. يغطي <<الأمن العام>> مجالات مرتبطة بالأجانب، وجوازات السفر والحدود، بالإضافة إلى مسائل أمنية ذات أرضية سياسية. هناك <<قوى الأمن الداخلي>> وهي تشمل قوة شرطة وقسماً لتقصي المعلومات على حد سواء. إن <<جهاز امن الدولة>> مسؤول إسميا عن مسائل أمنية ذات أرضية سياسية. الحرس الجمهوري مكلف حماية الرئيس، تحت السلطة الإجمالية لقائد الجيش. ثمة فرع لجهاز الاستخبارات العسكرية السورية في سوريا، مع مكاتب في أماكن متفرقة بينها بيروت. وخلافا لما تم التأكيد عليه أمام <<البعثة>> من قبل رؤسائه (جهاز الاستخبارات العسكرية السورية المترجم)، تقودنا الدلائل والشهادات المتطابقة، إلى الاعتقاد من دون أدنى شك معقول بأن هذا الفرع أدى دورا رئيسيا في الحياة السياسية اللبنانية وكان له دور فعال، ما لم يكن الأمر إشرافا مباشرا، على إدارة الشؤون الأمنية في لبنان.

17- استنادا إلى القوانين والقواعد المتبعة، تنسق هذه الأجهزة المختلفة في ما بينها، وهي جميعا أعضاء في <<مجلس الأمن المركزي>> الذي يجتمع مرة في الشهر برئاسة وزير الداخلية. غير ان مصادر عديدة، بينها مسؤولون أمنيون، ووزراء ورؤساء سابقون، أبلغوا <<لبعثة>> أن الممارسة تتبع أنماطا مختلفة. أولا، إن التنسيق بين الأجهزة غير موجود تقريبا: إن المجلس المذكور هو أمر شكلي أكثر من كونه آلية تنسيق. ثانيا، إن القنوات التي تسلكها التقارير الأمنية الموضوعة، تتبع الولاءات الشخصية والسياسية وليس الترتيبات الدستورية. إن رؤساء الأجهزة الأمنية يرفعون المعلومات الجوهرية إلى <<أولئك الذين عينوهم، إلى أولئك الذين يدينون بالولاء لهم>>، ويحيلون الشكليات والمسائل التافهة فقط إلى <<مجلس الأمن المركزي>>. بالإضافة إلى ذلك، ثمة نقص كبير في الإشراف و/أو المراجعة القضائية لعمل الأجهزة الأمنية. على سبيل المثال، إن ل<<قسم اعتراض الاتصالات>> في جهاز الاستخبارات العسكرية <<تفويضا دائما>> لاعتراض اي من الاتصالات التي يعتبرها القسم مناسبة، بدعم يقتصر على رئيس الجهاز من دون أي شكل من أشكال الإشراف أو المراجعة الخارجيين. وبشكل مماثل، من الواضح أن ثمة مساءلة قليلة للغاية، إذا كانت موجودة أصلا، ما خلا تلك المرتبطة بالولاءات غير الرسمية والتي تتجاوز الدستور.

18- هذا التشكيل يشرح جزئيا النقص في الثقة التي يبدو أن الشعب اللبناني يشعر به إزاء أجهزته الأمنية. إن جميع الذين تحدثوا إلى <<البعثة>>، من دون استثناء تقريبا، بينهم بعض المسؤولين الأمنيين، أعربوا عن شكوكهم بشأن قدرة و/أو إرادة الأجهزة الأمنية لتوفير الأمن لشخصيات سياسية معرضة لتهديدات. فيما اتهم البعض الجهاز الأمني بالتورط الصريح في تهديد سياسيين، قال آخرون إن الثقافة السائدة تتمثل في انه يتعين على السياسيين أن يحموا أنفسهم بوسائلهم الخاصة أو، في أفضل الأحوال، أن الأجهزة الأمنية لم يكن لديها سلطة كافية لحماية الشخصيات المهددة. أشار كثيرون إلى واقع أن لبنان شهد عددا كبيرا من الاغتيالات السياسية في السنوات الثلاثين الأخيرة، وان غالبيتها لم يتم حلها حتى الآن.

19- بعد مناقشات مع مسؤولين أمنيين عديدين، بينهم رؤساء الاستخبارات العسكرية، وقسم <<القوات الخاصة ومكافحة الإرهاب>> في الاستخبارات العسكرية، وقسم <<اعتراض الاتصالات>> في الاستخبارات العسكرية، الأمن العام، قوى الأمن الداخلي، والحرس الجمهوري، توصلت <<البعثة>> إلى استنتاج بأنه كان ثمة قصور خطير من قبل جهاز الأمن اللبناني لتوقع اغتيال السيد الحريري وإحباطه. برغم الشائعات الواسعة الانتشار بشأن تهديدات بالإيذاء الجسدي ضد السيد الحريري و/أو السيد جنبلاط، بينها إمكان الاعتداء على حياتهما و/أو على حياة أفراد من عائلتيهما، وبرغم محاولة الاعتداء على حياة الوزير السابق مروان حمادة، لم تتخذ أي من أجهزة الأمن إجراءات إضافية لحماية أي منهم.

20- تنفي جميع الأجهزة الأمنية أن تكون قد تلقت معلومات عن تهديد أو تهديد محتمل ضد السيد الحريري، والسيد جنبلاط، أو ضد أي من أفراد عائلتيهما. غير أن كل من تحدث إلى <<البعثة>> من خارج الأجهزة الأمنية كان يبدو انه مدرك لتلك التهديدات. بالإضافة إلى ذلك، وبرغم الارتفاع المعترف به في حدة التوتر، إن أيا من الأجهزة الأمنية لم يعد <<ملفاً تقييمياً>> بشأن أمن السيد الحريري، <<الشخصية السياسية الأكثر أهمية في لبنان>>. إن أيا من الأجهزة الأمنية لم يقترح أو ينصح أو يحاول رفع مستوى الحماية المؤمن للسيد الحريري. على العكس من ذلك، إن فريق الحماية الخاص المؤمن للسيد الحريري من قبل قوى الأمن الداخلي، تم تقليصه من حوالى 40 إلى 8 أشخاص، بعد وقت قليل من تركه منصبه. برغم أن تقليص العدد هذا ينسجم مع القواعد، إلا انه شكل إهمالا صارخا في ضوء الظروف الخاصة السائدة. في لحظة اغتياله، كانت حماية السيد الحريري مؤمنة بشكل شبه كامل من قبل فريقه الأمني الخاص.

21- حين ناقشت <<البعثة>> هذا الجانب مع المسؤولين الأمنيين اللبنانيين، حاجج العديد منهم بأن <<الوقاية>> هو مفهوم غريب عن الإدارة الأمنية في لبنان. هذه الحجة غير مقبولة: الوقاية هي جزء لا يتجزأ ومهم من أي نظام أمني عامل. بالإضافة إلى ذلك، هذه الحجة غير صحيحة أيضا: فقد أبلغنا الحرس الجمهوري انه حافظ على <<ملف تقييمي>> دوري بشأن أمن الرئيس، بينه تقييم مستوى التهديد والخطر اللذين يتعرض لهما، وذلك استنادا إلى قراءتهم للوضع السياسي، والشائعات، والوضع الأمني إجمالا. إن جهازا أمنيا يعمل بفاعلية، ويتمتع بمصداقية، ومحترف، يتعين أن يكون قد أعد، وحافظ على، وحدّث ملفا تقييميا مماثلا في ما يتعلق بأمن <<الشخصية السياسية الأكثر أهمية في لبنان>>.

22- استنادا إلى ما سبق ذكره، ترى <<البعثة>> ان جهاز الأمن اللبناني أخفق في توفير حماية مناسبة للسيد الحريري وبالتالي وفر بيئة ملائمة لاغتياله.

ب- الظروف
23- في جمع الوقائع المتصلة بالظروف، حددت <<البعثة>> التحرك الأخير للسيد الحريري قبل حدوث الاغتيال بالضبط، كما حددت سبب الانفجار ونوعه ووزن الشحنة المستخدمة، وراجعت الجادات الرئيسية للتحقيق الذي أجرته السلطات اللبنانية، استنادا إلى المقاييس الدولية المقبولة. إن مراجعة التحقيق تتضمن الأمكنة الحاسمة لإدارة ساحة الجريمة، والحفاظ على الأدلة، والتحقيق في ادعاء المسؤولية عن الاعتداء الذي بثته قناة <<الجزيرة>>، والتحقيق بشأن المفجر المشتبه به، والتحقيق في سيارة المفجر، وملاحظات عامة حول مصداقية التحقيق.

التحركات الأخيرة للسيد الحريري
24- في يوم الاثنين 14 شباط 2004، حوالى الساعة الثانية عشرة والنصف، غادر السيد الحريري مبنى البرلمان في وسط بيروت وسار حوالى 70 مترا إلى مقهى (بلاس دو ليتوال) في ساحة النجمة، حيث التقى عددا من الأشخاص. حوالى الساعة الثانية عشرة وخمسين دقيقة، غادر المقهى برفقة الوزير السابق والنائب باسل فليحان. كان موكبه الأمني يتألف من 6 مركبات؛ أولا، سيارة جيب على متنها 4 من رجال الشرطة المحليين (السيارة الأولى في الموكب)؛ ثانيا، سيارة مرسيدس سوداء تنقل 3 حراس أمنيين خاصين؛ ثالثا، سيارة مرسيدس مصفحة مموهة سوداء يقودها الحريري يرافقه السيد فليحان؛ رابعا، سيارة مرسيدس على متنها 3 حراس أمنيين خاصين؛ خامسا، سيارة مرسيدس على متنها 3 حراس أمنيين خاصين؛ وسادسا، سيارة جيب سوداء (سيارة إسعاف) في نهاية الموكب تقل 3 حراس أمنيين خاصين. إن ثلاثاً من سيارات المرسيدس كانت مجهزة بأجهزة تشويش عالية المستوى (4 ghz)، كانت تعمل خلال الرحلة الأخيرة. إن جميع المركبات كانت مجهزة بأسلحة رشاشة، وجميع المرافقين كانوا مدربين.

25- إن الطريق التي تم سلوكها، أُبلغت السيارة التي تتصدر الموكب بها فقط لحظة غادر السيد الحريري المقهى. غادر الموكب ساحة النجمة ومر عبر شارع الأحدب وشارع فوش. في نقطة اتصال شارع فوش وشارع المرفأ، استدار الموكب يسارا وأخذ الطريق الساحلية باتجاه عين المريسة وفندق السان جورج.

26- عند الساعة الثانية عشرة و56 دقيقة و26 ثانية، كان موكب السيد الحريري يمر مباشرة خارج فندق السان جورج، وهي طريق مر بها 6 مرات فقط في الأشهر الثلاثة الأخيرة. حصل انفجار ضخم ما أدى إلى مقتل السيد الحريري، و7 من مرافقيه الأمنيين و12 مدنيا آخرين كانوا في الجوار. أحضر السيد الحريري إلى مستشفى الجامعة الأميركية، حيث تعرف إلى جثته طبيبه الخاص وطبيب قانوني عينته الحكومة. كان ممكنا التعرف إلى الجثة من خلال علامات الجسد، والأشعة السينية، وسجلات الأسنان. كان سبب الوفاة جرحاً فورياً في الدماغ أدى إلى توقف في عمل القلب.

الانفجار
27- تفحصت <<البعثة>> وحللت وأجرت اختبارات في ساحة الانفجار، طيلة 7 أيام. إن وجهة نظر (البعثة المترجم) حول طبيعة الانفجار ونوعيته، تستند إلى تفسير خبرائها لأربعة عناصر أساسية: أ التشتت وحجم وشكل الشظايا التي تسبب بها الانفجار؛ ب حجم وشكل الحفرة التي خلفها الانفجار؛ ج التفسيرات الخاصة بالمقذوفات؛ د التفسيرات للدمار الذي لحق بالأبنية في موقع الانفجار وحوله.

28- إن تحليل الشظايا التي تسبب بها الانفجار ولشكل الحفرة وهيئتها، يعطي مؤشرات تدعم أيضا فرضية حصول انفجار فوق الأرض وتحته. غير أن تحليل الدمار الذي خلفه الانفجار في الأبنية، وفي موقع الجريمة وحولها، يوحي بأن الانفجار حصل فوق الأرض. إن إثبات وجود ترسب حراري على عدد من الشظايا المعدنية، هو مؤشر واضح إلى وجود شحنة تفجير كبيرة؛ إن واقع أن خبراء <<البعثة>> وجدوا أدلة على ترسب حراري على شظايا مركبات وعلى شظايا من مماسك دروع حديدية موضوعة أمام فندق السان جورج، يدعم فرضية أن حدوث الانفجار فوق الأرض. إن العثور على شظايا حديدية ملتصق